الرئيسية | المنتديات | تواصل معنا

الجالية اليمنية - مدينة إيوو " جمهورية الصين الشعبية "  
 

الرئيسية / من وحي الغربة / قصص وحكايات / من قباطي في الصين أقتطف : ذكريات وصولي إلى الصين

من قباطي في الصين أقتطف : ذكريات وصولي إلى الصين
 


الزمان : شهر أغسطس للعام 2001
المكان : مغادرة يمن الإيمان والحكمة والدخول إلى جوف التنين أرض الصين
بقلم : نبراس اليماني



كانت الساعة تؤشر إلى الثامنة صباحا حين وضعت أول خطوة لي على مطار هونج كونج ، كانت الشمس تطلع في هدوء ، من خلف تلك الهضاب الخضراء البعيدة ، لتنثر أشعتها هنا وهناك ، باعثة كل الأمل ، معلنة بدء يوم جديد ملئ بالحيوية والنشاط .
تفاجأت كثيرا لما أرى وأشاهد أمامي ، أصبح المنظر غريبا علي ، بعد أن كنت بالأمس بين أهلي وأحبابي في يمن الإيمان والحكمة ، ها أنا اليوم بين قوم مثل الذر ، لا يحصى لهم عدد ، أشعر كأنني في وكر للصراصير ، فهم ما زالوا غرباء علي ، لا أفهم من كلامهم شئ ، أشعر أنهم يرددون نفس الكلمة ونفس العبارة لتشابه كلماتهم وعباراتهم ، كنت أتلفت يمينا وشمالا فلا أرى إلا وجوها غريبة ، لا تستطيع التفريق بينها ، كدت أجزم أنني في حلم ، لولا الحقيقة الثقيلة التي جئت من أجلها ، والحقيبة التي احملها على كتفي واحلق بها في تلك الصالة الواسعة ذهابا وإيابا ابحث عن مخرج أخرج منه إلى هذه البلاد الغريبة .


تقيأت كثيرا للرائحة التي كانت تخترق أنفي رغما عني ، نعم ، إنها رائحة غريبة لم أعهدها من قبل ، كنت أظن أن هواء اليمن هو نفسه هواء الصين هو نفسه الهواء في أي مكان كان ، ولكن الواقع كان عكس كذالك ، كل شئ تغير وتبدل بالنسبة إلي ، لم أعد ادري هل هذه حقيقة أم مجرد خيالات وهمية .


كان من المتوقع أن أمكث في مطار هونج كونج ساعتين فقط ، ولكن لسوء حظي دائما ، فإن مدة البقاء في المطار امتدت لتصل إلى تسع ساعات في تلك الصالة المترامية الأطراف .


بالرغم من أنني طموح لمعرفة أي شئ ، كما أن الوقت كان طويلا نسبيا ، كان من الأحرى بي أن أتجول هنا وهناك ، إلا أنني للأسف الشديد ارتميت على أحد المقاعد الناعمة ، الذي غاص جسدي بداخله لأذهب في نوم عميق ، ولابتعد ولو لقليل من الوقت عن الواقع المر الذي أشعر به يحيط بي ويكاد يخنقني .


أفقت من منامي لأرى مؤشر الساعة على أحد الحيطان يقترب من الثانية ظهرا ، توجهت فورا لأتوضأ وأستعد لصلاة الظهر والعصر جمعا وقصرا ، يا للعجب ! حتى الماء تغير طعمه ، توضأت والحمد لله ، وما إن اقترب وقت صلاة العصر ، حتى كنت قد بحثت لي عن مكان فارغ خلف أحد الأعمدة ، ثم شرعت في صلاتي ، بينما كانت دائرة واسعة من البشر قد اقتربت مني وأخذت تحيط بي في استغراب شديد ، أبصارهم تكاد تخترقني ، كل واحد منهم يدعو صاحبه ليشاركه الاستمتاع بالنظر لهذا المشهد الغريب العجيب ، أكملت صلاتي فشعرت حينها بالراحة والطمأنينة تدب في نفسي ، حيث بدأت نفسي تقتنع أنني قد دخلت هذه البلاد ، وينبغي علي أن أتأقلم عليها وأكون كأحد أفرادها تماما ، بدأت روح الأمل تدب في نفسي اليائسة الحزينة ، وبدأت الابتسامة تشرق في محياي ، وبدأت اقتنع أنه من الأفضل لي أن أبدا حياتي من جديد بين هذه المخلوقات الغريبة ، في هذا العالم العجيب ، وأن أنسى حديث الذكريات التي لا تزيد النفس إلا حسرة وألما .
كان مؤشر الساعة يؤشر إلى الخامسة عصرا حينما ارتفعت أصوات مكبرات الصوت باللغة الإنجليزية والصينية لتنبه الركاب المسافرين إلى بكين بأن عليهم الإستعداد والتوجه إلى صالة المغادرة ، عدت من جديد لآخذ مكاني في هذا الصف الطويل المنتظم ، الذي أثار استغرابي ودهشتي ، فبالرغم من أن عدد المسافرين كبيرا جدا ، إلا أن هناك مسافة محددة بين كل مسافر ومسافر في الطابور ، الكل قد أخذ مكانه بانتظام وصمت وهدوء ، ضحكت من أعماقي وأنا أحاول أن أقارن هذا الطابور مع طوابير بلادي ، التي قد لا يصل عدد أفرادها في معظم الأحيان إلى عشرين شخص ، لكن هاتفا ما هتف بي قائلا :

ألم ترى أن السيف ينقص قدره .:. إذا قيل أن السيف أمضى من العصا

التزمت مكاني بهدوء ، حتى أتى دوري للدخول ، وما هي إلا لحظات ، حتى أخذت مكاني بجانب النافذة على مقعد الطائرة ، الغثيان لا زال يسيطر علي ، الجوع يكاد يقتلني ، ولكني لا أريد أن أتذوق شيئا ، وما أن بدأت الطائرة بالإقلاع ، حتى أقلعت البقايا الباقية من الطعام في أحشائي ، لتستقر أخيرا في ذاك المظروف الورقي المعد خصيصا لهذا الأمر .


وبينما الطائرة تحلق بنا في الأجواء الصينية ، في منتصف الطريق جاء أحدهم يوزع المشروبات ، مد إلي بعلبة صفراء لا ادري ما هي ، رفضت ، خفت أن تكون مشروبا كحوليا أو خمرا أو ما شابه ذالك ، حركت رأسي يمينا ويسيرا معبرا عن الرفض وأنني لا أريد ، كنت أريد أن اطلب أي شئ فمعدتي تصرخ وتستغيث وما من مغيث ، مد بها للشخص الذي بجواري ثم انصرف ، حاولت أن اقرأ شيئا على العلبة فلم أرى إلا أشجارا متشابكة ، كإحدى غابات أفريقيا ، ولكن حين وضع العلبة على الطاولة الصغيرة أمامه استطعت أن أقرا عليها عبارة بالإنجليزية فعرفت أن العلبة لم تكن إلا عصير البرتقال ، فتألمت ألما شديدا على تركي لها ، ولمت نفسي كثيرا ولكن لا يجدي الندم حينها ، كنت أتأمل في كل مار بجواري لعل صاحب العصير يعود مرة أخرى ولكنه لم يعد .
قرابة ساعتين قضيناها في الهواء ، لنحط الرحال أخيرا في مطار بكين ، كل شئ لا زال غريبا ، لم يتغير شئ ، المطار نفس المطار السابق ، الناس نفس الناس ، الوجوه نفس الوجوه ، رائحة الهواء أيضا لا زالت تغازل انفي بتدلل ، لكنني كنت أصدها بعنف ، وما عسى يجدي الصد وقد قال الشاعر :

ولو لم تكن إلا الأسنة مركبا .:. فما حيلة المضطر إلا ركوبها

وبينما أنا غارق في هذا البحر المتموج من الأجساد البشرية ، إذ بي أرى على البوابة شخصا غريبا بين تلك الحشود الهائلة من الناس ، ينادي علي أنا بالذات ويؤشر باتجاهي ، عرفت فيما بعد أنه أحد أعضاء السفارة اليمنية ، أتى خصيصا لاستقبالنا ، كدت أن أطير من الفرحة والسعادة ، وهو ينادي علي بلغة عربية فصيحة ، حيث أنني افتقدتها كثيرا بالرغم من أنه لم يمض علي يومان بعد .


عانقته طويلا وكأنه صديق حميم أعرفه منذ زمن بعيد ، تبدلت أتراحي أفراحا ، ووحشتي أنسا ، وكآبتي سعادة ، وقلقي راحة وطمأنينة ، كان يتكلم بعض الكلمات الصينية بصعوبة بالغة ، بالرغم من أنه لم يمض عليه شهر واحد منذ دخوله الصين حسبما قال لي ، فهو أيضا لا زال ضيفا جديدا في أرض التنين * .

قادني أخيرا إلى خارج المطار ، لأجد هناك خمسة طلاب يمنيين قد سبقوني بعام كامل ، سلمني إليهم بعد أن أخذت منه اسمه وعنوانه ، نسيت حينها أنني في بلد الغربة ، فها أنا أخيرا بين إخوة لي يتكلمون بكلامي ويلبسون لباسي ، شعرت بالطمأنينة والراحة أكثر من ذي قبل ، وأنا اقنع نفسي أنني بعد عام واحد سأكون مثلهم الآن تماما ، اضحك كما يضحكون ، وأتكلم كما يتكلمون .

استلقيت بجسدي المرهق إلى جوارهم في تلك الحافلة التي اخترقت بنا تلك الغابات الواسعة من الأشجار ، تخيلت حينها أننا متجهون إلى إحدى غابات العالم الشهيرة ، كنت أرنو بنظري إلى الأمام فلا أرى إلا ظلاما دامسا يحيط بنا من كل مكان ، تكلله بعض المصابيح وأعمدة الإنارة المتناثرة على جانبي الطريق ، شعرت بشئ من الرهبة وأنا انظر عن يميني فلا أرى إلا أشجارا باسقة الطول متشابكة الأغصان ، والتفت إلى اليسار فلا أرى إلا نفس المنظر ، نظرت إلى أمام الحافلة فلم أرى إلا ذاك الطريق الطويل الذي تهيأ لي حينها وكأنه ثعبان عظيم ، يتلوى بين تلك الأشجار السامقة ، كانت أغصان الأشجار التي عن يمين الشارع تمتد لتصافح الأغصان العلوية التي على الجهة الأخرى ، مكونة نفقا طويلا لا نهاية له .


انطلقت بنا الحافلة في سرعة متوسطة ، وكان الطريق يبدو فارغا إلا من بعض السيارات التي تمر بين الفينة والفينة ، انطلقت بفكري بعيدا بعد أن كان الجميع حولي صامتين ، تذكرت في تلك اللحظات بلادي الحبيبة ، وتمنيت أن يكون فيها ولو قليلا من هذه الغابات الخضراء .


لا أدري كم مر علي من الوقت وأنا سابح في خيالاتي وذكرياتي ، حين انتبهت على صوت أحدهم يقول : ها نحن قد دخلنا المدينة ، أفقت على تلك الأضواء الساطعة التي بدت أمامي، بدأ الازدحام يزداد ، وبدأت الأنوار تقترب شيئا فشيئا ، حتى تخيلت أن شمس النهار قد طلعت علينا ، دخلنا عالما جديدا مليئا بالحركة والضجيج ، شيئا ما أثار انتباهي في تلك اللحظات ، رأيت السيارات تمتد في طوابير طويلة لا نهاية لها ، وتسير ببطء شديد ، ولكن مع كل هذا لم أر سيارة واحدة تحاول أن تجتاز السيارة التي أمامها ، الكل يسير في انتظام مثير للاستغراب ، خصوصا على شخص غريب مثلي ، قضينا في ذاك الزحام قرابة نصف ساعة ، لكن مع كل هذا لم أسمع صوت منبه السيارة (الهاون) يرتفع ولو لمرة واحدة ، حاولت أن استفسر من بجواري عن ذالك الامر ، فرد لي احدهم: إننا قد نسينا أن السيارة فيها منبه صوتي .


ما زالت العجائب تتوالى علي واحدة تلو الأخرى ، ولا يتسع المجال لذكرها هنا ، واصلت الحافلة مسيرها مخترقة ناطحات السحاب التي رأيتها لأول مرة في حياتي ، وما هي إلا لحظات، حتى توقفت بنا تلك الحافلة بجانب أحد المباني العالية ، عرفت مباشرة أن هذا المبنى هو سكن الطلبة الأجانب ، حيث رأيت كثيرا من الوجوه التي تبدو عليها الملامح العربية والأفريقية والأوربية ، استقبلنا هناك عشرات الطلاب اليمنيين ، كنت مسرورا كثيرا وأنا أرقبهم يحملون أوراقنا وجوازاتنا إلى ذاك الشخص الذي يقف في بوابة السكن يرقب الداخلين والخارجين ، ازدادت سعادتي حين رايتهم يتكلمون معه بطلاقة ، ولكن كل سروري ذاك ، تناثر أدراج الرياح! حين جاء إلينا احدهم – اقصد احد زملائنا اليمنيين – قائلا بلسان الناصح الأمين : إن كنتم تريدون أن تتعلموا اللغة الصينيية مثلنا ، فيجب عليكم ان تبحثوا لكم عن صديقات يعلمنكم ولم يقل صديقات وانما قال (girl friend) التي ترجمها لي أحد زملائي بان معناها عشيقة ، انهرت تماما حين رأيت الآخر يقترب منا وهو يبتسم ابتسامة خبيثة ، ويده في يد صديقته الكاسية العارية ، يريد أن يهون علينا هذا الأمر ، ثم أتى الثالث والرابع والخامس ، لم نرى فيهم خيرا أبدا ، سألهم احدنا قائلا : ولماذا صديقة بالذات ، لماذا لا يكون صديقا مثلا ، فقالوا :- إن الأصدقاء كلاب لا يبحثون إلا عن مصالحهم ، فان وجد فيك خيرا وإلا تركك وذهب ، قلت في قلبي بل انتم المصلحيين ..... ؟

حينها فقط كرهت نفسي وكرهت الدراسة وكرهت الغربة والإغتراب ، تمنيت العودة إلى قريتي البسيطة المتواضعة ، في قلب القبيطة ، قلت في نفسي : سحقا للدراسة ، وبعدا للغة الصينية ، إن كانت لا تأتي إلا بمعصية الله وارتكاب الكبائر والمنكرات ، ابتعدت عن رفقتي بجواري لأسبح في بحور الأفكار التي أخذت تتتابع في مخيلتي ، لم أنتبه إلا على صوت أحدهم يسلمني المفتاح أنا وأحد زملائي الجدد ، ليأخذنا إلى الغرفة التي خصصت لنا .


حين وصلنا إلى الغرفة أنا وصديقي في الدور الثامن ، استلقى كل واحد منا على سريره بينما قال لنا الشخص اليمني الذي أوصلنا : خذوا لكم قسطا من الراحة ، وسوف أعود إليكم بعد ثلاث ساعات لنذهب سويا لتناول وجبة العشاء ، وقبل أن ينصرف ، سألناه عن اتجاه القبلة ، لأننا لم نصلي المغرب والعشاء بعد ، رد علينا بعفوية مطلقة: عادكم تصلوا !!! ؟


ثم استدرك كلامه قائلا :- آه ، عفوا ، (انتم عادكم أجيتم من اليمن) ، ظنناه يمزح في البداية ، لكننا تأكدنا بعد ذالك أنه جاد في كلامه حين قال لنا أنه قد نسي اتجاه القبلة ، تألمت كثيرا للحالة التي وصل إليها بعض زملاؤنا وإخواننا في أرض الغربة ، تنهدت بحسرة وأنا أسال الله الثبات والسلامة ، صلينا أنا وزميلي صلاة المغرب و العشاء جمعا وقصرا ، بعد أن سألنا عن اتجاه الغرب ، اقصد اتجاه غروب الشمس ، ثم استلقينا على أسرتنا بهدوء وتفكير عميق ، كل منا يجول بخاطره ما لا يعلمه إلا الله ، عرفت من زميلي في الغرفة انه حافظ للقران الكريم كاملا ، سررت كثيرا في أعماقي لكن القلق لا زال مخيما علي والكآبة تكسوني ، رأى صديقي حالتي فقال لي ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ... ) .


تهت مجددا في عالم الأحلام والتفكير متسائلا : متى ستنتهي هذه السنون المظلمات الخمس ، وكيف ستنتهي ؟
وهل سيكتب لي أن أرى أرضي وبلادي الحبيبة وأهلي الأحباء في يوم من الأيام ؟ أم ........

فجأة قطع تفكيري رنين جرس الهاتف في الواحدة ليلا يدعونا للذهاب لتناول طعام العشاء ، وما هي إلا لحظات، حتى كنا على ظهر الحافلة منطلقين نحو أحد المطاعم الإسلامية ، وعندما وصلنا كانت كل الموائد جاهزة ، كانت معدتي حينها تصرخ وتستغيث ، تريد التهام أي شئ يقع في طريقها ، كنت أول الجالسين على تلك المائدة الطويلة، وكانت اللقمة الأولى كبيرة جدا لشدة الجوع ، اخذ الكل ينظر إلي باستغراب وأنا امسك بتلك القطعة العجين ( الجياوتزة )* بأصابعي ، لم أفهم لماذا هم مستغربون هكذا – لكنني فهمت مؤخرا أن الصينيين لا يأكلون بأيديهم ولا حتى بالملاعق وإنما بعصيان خاصة بالأكل - وما إن وصلت تلك اللقمة إلى فمي حتى تركت ما تبقى في يدي على تلك الطاولة ، وأنا أوشك أن أتقيا للطعم الغريب ، تكررت العملية من بقية الطلاب الجدد ، حيث خرجنا من هذا المطعم كما دخلنا ، لم نأكل شيئا بالرغم من أنها الوجبة الأولى منذ يومين ، لكنني رأيت أن الجوع أهون علي من ذاك الطعام الغريب ، وتلك الرائحة المنفرة التي لا زالت تطاردني من مطار هونج كونج .

في طريق العودة إلى السكن ، كنا نسير مشيا على الأقدام ، الوقت متأخر ، والشارع العام لا يوجد فيه سوى بعض السيارات التي تقوم بغسل الشوراع بالماء في مثل هذا الوقت من كل يوم .

منذ اليوم الثاني لوصولنا بدأ العدد يتناقص ، حيث أخد كل طالب أو طالبين يسافرون إلى إحدى المقاطعات البعيدة المقرر دراستهم فيها ، منهم من يسافر عشر ساعات ومنهم من يسافر عشرين ساعة ، بل إن احدهم استمرت رحلته في القطار ثلاثين ساعة ، فقد ذهب به القدر إلى منطقة نائية بعيدة لم يسبق أن ذهب إليها طلاب أجانب عرب من قبل ، وصل هناك فلم يجد أحدا يستقبله ، أخذ سيارة أجرة ، وأعطاهم أوراقه حق المنحة ، فأوصلوه إلى الجامعة وظل أسبوعا كاملا حسبما قال يأكل الويفر والعصير فقط ، لم يتذوق شئ ، لأنه لا يعرف أي المأكولات حلال وأيها حرام ، أما أنا فقد مكثت في العاصمة مع احد زملائي ، حيث لم نحصل على تذكرة سفر إلا بعد ستة أيام ، بسبب الإزدحام الشديد، وكنا آخر المغادرين لبكين من دفعتنا العشرين، لتبدأ رحلة أخرى من المعاناة والإرهاق ، إلى إحدى المقاطعات البعيدة ، في هذه البلاد المترامية الأطراف .
في منتصف تلك الليلة القمراء ، خلفت بكين العاصمة وراء ظهري حين استلقيت بجسدي الذي لم يرتاح بعد على تلك السرير المرنة بداخل ذاك القطار الذي لم أكن أعرفه من قبل ، كان الليل قد انتصف حين دوت صفارة القطار مؤذنة ببدء الإنطلاق إلى عالم المجهول ، اعتراني الخوف وأنا أتأمل حولي في ذاك الظلام الدامس ، حيث وإن القطار انطلق في البداية من نفق تحت الأرض حسب ما خيل لي حينها ، ظننت أننا سنواصل مسيرنا تحت الأرض طوال السبع عشرة الساعة القادمة ، ولكن ما هي إلا لحظات ، حتى خرجنا إلى الكون الفسيح ، والقمر يرافقنا في سيرنا وكأنه حارس أمين يحرسنا في تلك الغابات التي تبدو الأشجار فيها كأنها رؤوس الشياطين ، واصل القطار مسيره ، وأنا بداخله لا اعرف حتى كيف هو القطار ولا كيف شكله، مضت الساعة والساعتين وأنا أحاول النوم ولكن بدون جدوى ، تأكدت بعدها ان النوم قد تاه طريقه إلي ، لعله صعد في القطار الآخر ، استسلمت حينها للواقع وسبحت بنظري في ذاك الفضاء الرحيب، أسبح الله في ملكوته الواسع، الناس حولي كلهم نيام ، وأنا جالس بجوار تلك النافذة الصغيرة ارقب الجبال والسهول والأنهار التي نمر بها ، كنت اشعر أنني بحاجة إلى الذهاب إلى الحمام ولكن لم أكن ادري حينها أن القطار فيه حمام ، كان كلما مر بجانبنا قطار سمعت له صوتا قويا يخرق الآذان ، اشعر بالرهبة ، خوفا من الاصطدام ، حتى القطارات التي كانت تمر بجوارنا لم أتشرف بمعرفتها ، ولا أرى منها إلا الجزء اليسير جدا لاقترابها من قطارنا ، واصلنا المسير بهدوء ، مضى وقت غير قليل حين بدأ الركاب يستيقظون ، ويا لكثرتهم ، هربت حينها من الكرسي الذي بجوار النافذة وعدت مسرعا إلى سريري، ها هو الفجر بدا يطلع بعد مضي قرابة خمس ساعات ، كم شدتني تلك المناظر الخلابة التي أراها أمامي ، كأنني أسبح في خيال ، جبال مكسوة بقطائف خضراء وسهول مغطاة بزهور زاهية الألوان ، غابات فسيحة لا نهاية لها ، أشجار تبدو وكان فرشاة رسام قد أبدعتها ، نعم إنها من صنع البديع جل جلاله وتباركت أسماءه ، بدأت الشمس تشرق في هدوء ، وبدأت الحياة تدب على هذه الأرض ، وبدأت العصافير تزقزق وتتنقل في هذه السهول آمنة مطمئنة ، تمنيت حينها لو أنني استطيع الخروج من هذا السجن المغلق ولو لربع ساعة فقط ، كي احلق مع الأطيار على هذه الأنهار وفوق تلك الأشجار .
كان القطار لا زال مواصلا سيره مخترقا هذه المروج الخضراء التي لم أرى قط في حياتي مثلها ، حدثني أحدهم بعد أيام انه ركب مع زميله في قطار من بكين إلى جنوب الصين في رحلة لمدة أربعة وعشرين ساعة ، فبهرته خضرة الأرض ووفرة المياه ، فقطع على نفسه عهدا أن لا ينام في ذاك القطار حتى يرى بقعة يابسة ، أو منطقة قاحلة ، ولسوء حظه كانت الليلة القادمة قمراء ، فظل طيلة الأربع والعشرين ساعة مستيقظا ، لأنه لم يجد منطقة واحدة قاحلة .


قلت لنفسي ونحن لا زلنا في قطارنا سبحان الله ، ليت أرضنا مثل أرضهم ، وليت جبالنا مثل جبالهم ، وليت لدينا ولو بحيرة واحدة من هذه البحيرات التي يفوق عددها الأشجار ، كيف لأرضهم أن تبدو قاحلة وكل هذه المياه فيها ، ولكن هاتفا ما هتف بي ، إن هذه جنتهم جنة الدنيا ، أما نحن فجنان وجنان في الآخرة ان شاء الله .
بدأت الشمس تشتد ، وبدا العرق يبلل الأجساد ، بالرغم من أننا في نهاية شهر أغسطس ، ولكن كل هذا ما كان ليحرمني من مواصلة النظر إلى الخارج والتمتع بهذا الجمال الخلاب ، وهذه المناظر الطبيعية التي جعلتني أتفكر في خالقها ومكونها وصوت الشاعر يدوي في أعماقي :

لله في الآفاق آيات .:. لعل اقلها هو ما إليه هداك

ولعل ما في الكون من آياته .:. عجب عجاب لو ترى عيناك

والكون مشحون بأسرار .:. إذا حاولت تفسيرا لها أعياك



نسيت أمر السفر ونسيت الإرهاق وذهب عني التعب والضيق وأنا مواصل رحلتي نحو المجهول ، كان كل أملي أن تكون دراستي في منطقة جبلية خضراء كهذه ، فانا لم أعتد على المدينة بعد ، لم اعتد على الحياة الصاخبة وضجيج السيارات .
وبينما أنا أتأمل نحو الخارج اذ رأيت بغيتي ، إنه القطار أراه أمامي مكتملا ، هناك على الضفة الثانية للنهر .


حل الظهر والعصر وأنا لا زلت مستغرقا في تأملاتي نمر على القرى والأرياف، إن واجهنا نهرا علوناه في جسر لا يعلم طوله إلا الله ، وان وجدنا جبلا دخلنا فيه في نفق لا يعلم مداه إلا الله ، حتى وصلنا أخيرا في الخامسة عصرا إلى المدينة المنتظرة ، إلى مقاطعة تربض في وسط الصين ، على نهر اليانغستي الشهير ، لملمت حقائبي وأحد الصينيين قد جاء يؤشر لي بالنزول ، بالإشارة فقط حيث لم استطع الكلام ولا بكلمة واحدة ، ويا لسوء حظي ، فقد نسيت التذكرة تحت المخدة على السرير ، سرت بسكينة إلى باب المحطة أريد الخروج ولا ادري إلى أين ، طلب مني الشرطي التذكرة ، فلم افهم ما يقصد ، حاول مرارا ولكني لم افهم ، علمني بتذكرة احد المسافرين ففهمت مقصده ، فتشت جيوبي فلم أجدها ، ولكنني تذكرت في اللحظة الحرجة أنني نسيتها ، تركت أمتعتي وسط تلك الصالة الكبيرة وعدت مسرعا نحو القطار ، بينما كان القطار على الجهة الأخرى وكان يلزم علي دخول النفق الأرضي والخروج من الجهة الثانية ، ولكن قلقي وعدم معرفتي بالقوانين جعلني اقطع سكة الحديد مشيا على الأقدام وسط ذهول الحرس والشرطة والمراقبين هناك ، وصلت إلى القطار الذي أتيت فيه ، بحثت عن رقم العربة التي نزلت منها فوجدتها بعد عناء شديد ، ولكن للأسف كان الباب مقفلا ، فالقطار لم يبق له إلا ثوانٍ فقط كي يواصل انطلاقه ، طرقت الباب بكلتا يدي ، جاء احد الموظفين ففتح الباب ، وبدون سابق إنذار انطلقت كالصاروخ إلى داخل القطار وسط ذهول الجميع ، وبالتحديد إلى سريري الذي كنت عليه ، فأخرجت تذكرتي من هناك وعدت أدراجي مسرعا والكل ينظر إلي باستغراب وذهول ، وما إن خرجت من القطار حتى عادت إلي سكينتي ، تخيلت بعدها لو أن القطار سار وأنا بداخله ، لو إن قطارا أتى وأنا أعبر السكة ، لو لو ... قلت الحمد لله الذي جعل الأمور تمضي بسلام ، عدت أحث الخطى إلى حيث أمتعتي والعرق يتصبب من جبيني ، سلمت الشرطي التذكرة فسمح لي حينها بالخروج ، لأجد في البوابة ثلاثة طلاب يمنيين كان قد سبقونا إلى هذه المدينة بعام كامل ، صافحتهم بحرارة وأنا أكاد اسقط من الإعياء والجوع ، كانت فرحتهم لا تقارن حيث أنهم سمعوا شخصا جديدا يتكلم بالعربية معهم ، شخصا شموا فيه رائحة بلادهم وأرضهم التي لطالما حلموا بالعودة اليها .


وأخيرا وضعت الرحال في المنطقة المنتظرة ، في منطقة وخو التي ترقد على نهر اليانغستي الشهير ، في مقاطعة انخواي . 
 
 

 

تقييم

ارسال لصديق
 
 

 
 
 

التعليقات
 

MRofLOVE2013-02-15 13:53:21
how are u my friend? ur emai?

 
 

ارسال تعليق
 
للتعليق على الموضوع، يرجى تسجيل الدخول أولاً
 
 

للإعلان لدينا في موقع الجالية اليمنية

القائمة الرئيسية
 

 
:: الصفحة الرئيسية
:: منتديات الجالية
:: أقسام الموقع
:: ارشيف الاخبار
:: الجالية في سطور
:: مبدعون في الصين
:: كتابات
:: من وحي الغربة
:: أنشطة الجالية
:: تدريب وتأهيل
:: عدسة الكاميرا
:: السياحة في الصين
:: الدليل التجاري
:: خدمات الجالية
:: احصائيات الموقع
:: الاتصال بنا

 
 

تدريب وتأهيل
 

تدريب وتأهيل
 
 

البحث
 

 
 

الأعضاء
 

اسم المستخدم :
كلمة المرور :

مستخدم جديد ؟
نسيت كلمة المرور ؟
 
 

المتواجدون الأن
 

يتصفح الموقع حاليا 1 زائر

أكبر تواجد كان 139 في :
04-Oct-2016 الساعة : 23:24

 
 

إتحاد طلاب اليمن في الصين
 

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ : الجالية اليمنية - إيوو © 2018
برمجة اللوماني للخدمات البرمجية © 2008