الرئيسية | المنتديات | تواصل معنا

الجالية اليمنية - مدينة إيوو " جمهورية الصين الشعبية "  
 

الرئيسية / كتابــات / واحة في أطياف الذكريات

واحة في أطياف الذكريات
 

واحة في أطياف الذكريات
بقلم: نبراس اليماني

       يا لله، ما أسرع مرور الأيام، تمر اللحظة تليها اللحظة حتى لا نشعر بها الا وقد مضت سنوات طوال، مرت كلمح البصر، لا ادري ما الذي جعلني اتاسى ، اندم ، مشاعر كثيرة اختلطت في اعماقي حتى لم اعد ادري كيف اكتب وبأي طريقة أصيغ الكلمات.

       قبل بضعة أعوام من هذه اللحظات، كنت هناك، جالسا في صالة أحد الفنادق الذي كنت مقيما فيه في إيوو لبضعة أيام، حيث لم اكن أعرف حينها سر صعوبة الحصول على غرفة شاغرة فيه، الا بعد ان همس لي أحدهم في أذني ليطلعني على سر كثرة نزلاء الفندق من الأجانب وبالذات العرب، قائلا لي أن هذا الإزدحام ما كان ليكون كذلك لولا الخدمات الليلية التي يتميز بها عن غيره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

       كنت جالسا في تلك الصالة غارقا بجسدي البدين –عفوا بل النحيل- بداخل إحدى الكراسي الوثيرة، بيما جلس على الكرسي المقابلة لي في الجهة الأخرى من الصالة رجل صيني يبدو وكأنه في الخامسة والعشرين من العمر، كنت أتأمله بينما أخذ خيالي يسبح في عالم آخر، أخذت أحدث نفسي عن الظلال والتيه الذي يعيشون فيه، وعن تعاسة وحقارة الحياة التي يعشونها، ثم أخذت أسأل نفسي، هل يا ترى يشعون بالسعادة والطمأنينة والراحة التي نشعر بها نحن المسلمين، أجبت على نفسي المتلهفة لمعرفة كل شئ وأي شئ وأنا أركز النظر على الشخص الجالس أمامي: بالتأكيد لا، فهم لا هدف لهم من الحياة على هذه الأرض سوى عمل شيئين ومن ثم البحث عن شيئين، أما الشيئين الذين يعملانهم يوميا فالأكل والشرب، ومن ثم البحث عن عمل والبحث عن شريكة العمر، هذه هي حياتهم التي يعيشونها ويفنون أعمارهم لأجلها، وهذه هي دنياهم وأخراهم من وجهة نظرهم، إذ لا يؤمنون بأن هناك حياة أخرى بعد الموت، فما إن يموت أحدهم حتى يأخذونه ليحرقونه بالنيران، ولا يذهبون به إلى القبر كما نعمل نحن، ولعلي أقف بك أخي القارئ العزيز في فصل لاحق وقفة طويلة عند هذه النقطة التي لا تكفي هذه المساحة لاحتواء عجائبها وغرائبها هنا في أرض التنين، قلت في نفسي وأنا اركز أكثر على الشخص الجالس أمامي والذي كنت لا أدري فيم يفكر في تلك اللحضات، قلت في خاطري: والله إنها لجحيم هذه الحياة التي تعيشونها، حياة بدون هدف، مجرد أكل وشرب ونوم، وهكذا تتكرر الأيام عندكم في رتابة مملة، تؤدي بالكثيرين منكم إلى الإنتحار، لأنكم تعيشون في قلق واضطراب وضيق وتوتر وتعاسة، ثم استطردت مواصلا رحلتي في الخيال الذي ولده في نفسي ذاك الشخص، قلت: أين أنتم وأين نحن، أين حياتكم من حياتنا نحن في ظل الإسلام، أين سعادتكم من سعادتنا التي ذكرها الإمام ابن تيمية وهو في سجنه، وبينما كنت مطلقا لخيالي العنان كي يواصل الإبحار، إذ بي أرى نفس الشخص الجالس أمامي يفتح حقيبته التي في يديه، ظننت مباشرة أنه سيخرج السيار كي يتصل بعشيقته كما يعمل الكثيرون، ولكن ما أدهشني وأثار استغرابي بالفعل أنه أخرج شيئاً آخر تماما... وكان آخر ما توقعته أن أرى هذا الشئ في يد شخص صيني في صالة فندق، بقيت غارقا في دهشتي في حين أخذ الصيني يفتح المصحف الذي أخرجه من حقيبته ليبدأ في قراءة سورة البروج بصوت عذب رخيم مرتل، ذكرني بصوت القارئ الشيخ عبدالرحمن الحذيفي، إذ أن وجه الشبه بين صوتيهما كبير جدا لدرجة أنك لا تستطيع التفريق، توصلت فيما بعد إلى أنه يكثر الإستماع لهذا الشيخ، أخذ يردد الآية الواحدة في سورة البروج أكثر من خمس مرات وبصوت مرتفع لا بأس به، حيث عرفت أنه يريد حفظ هذه السورة الكريمة، تسمرت في مكاني وأنا أستمع لصوته العذب وترتيله ولغته الفصيحة، ونطقه السليم جدا، والذي يعجز عن اتقانه الكثيرون منا نحن العرب، واصل قراءته قرابة ساعة كاملة، حتى جاء التاجر العربي الذي كان لا يزال يغط في نوم عميق، والذي كان هذا الشخص في انتظاره لأنه يعمل معه كمترجم، فختم قراءته بأن قال صدق الله العظيم، ثم دعا ببعض الأدعية ثم أغلق المصحف وقبله وأعاده الى مكانه المخصص له في الحقيبة برفق، ثم انصرف مع التاجر ليتركني غارقا في بحر لا نهاية له من التساؤلات حتى غاب عن ناظري، نظرت إلى ساعتي التي في يدي لأراها قد وصلت إلى العاشرة صباحا، عرفت أنني قد أمضيت جالسا على كرسيي في مكاني ذاك قرابة ثلاث ساعات في انتظار التاجر الذي أترجم له والذي لا زال نائما، عاتبت نفسي قائلا: لقد أضعت ثلاث ساعات من وقتي بل من عمري بدون أي فائدة تذكر، في حين يحافظ الشخص الصيني الذي كان جالسا أمامي قبل لحضات على ساعة من وقته، يراها ثمينة جداً ويأبى أن تذهب عليه سدى، كان هذا الشخص قد أدار تفكيري مائة وثمانون درجة في الإتجاه المعاكس، فينما كنت أرثى لحالهم أصبحت أرثى لحالنا نحن العرب المسلون بالذات، نحن الذين نزل القران الكريم بلغتنا ولا نفتح المصحف الا من الجمعة إلى الجمعة إلا من رحم الله، بل إن بعضنا لا يعرف المصحف الكريم إلا في رمضان ولا حول ولا قوة إلا بالله ، نحن العرب الذين إن قرأنا فإننا لا ندري ماذا نقرأ، وإن تغربنا عن بلداننا فكأنا الله لا يرانا، نحن الذين نسينا تعاليم ديننا فضاعت عزتنا وكرامتنا، نحن الذين يستحي الكثيرون منا أن يخرج المصحف ليقرأ القرآن أمام الناس أو في أي مكان عام، بل ويرى الكثيرون منا أن قراءة القران لا تكون إلا في المسجد، تذكرت حين كنت ذات مرة في إحدى الحدائق أتنزه مع بعض الأصدقاء اليمنيين عندما حان وقت صلاة العصر، فلما دعت صحابي للصلاة قال لي أحدهم: يا أخي تريد تحرجنا مع الصينيين، تشتيهم يتحلقوا حولنا ويضحكوا علينا ثم أردف قائلا بكل ثقة: ماذا تتوقع أن يقول الصينيين حين يروننا، بالتأكيد سيسخرون منا ويقولوا هؤلاء مجانين، يا سبحان الله، يستحي هذا العبقري من شرذمة قليلة من الناس، بينما لا يستحي من الله جل في علاه حين يعصيه في كل مكان، توالت في مخيلتي عشرات المواقف المماثلة في حين أخذ ذاك المسلم الصيني يبعد عن ناظري شيئا فشيئا حتى اختفى لتبقى صورته وخياله يملآن كل شئ في كياني.

 
 

للإعلان لدينا في موقع الجالية اليمنية

القائمة الرئيسية
 

 
:: الصفحة الرئيسية
:: منتديات الجالية
:: أقسام الموقع
:: ارشيف الاخبار
:: الجالية في سطور
:: مبدعون في الصين
:: كتابات
:: من وحي الغربة
:: أنشطة الجالية
:: تدريب وتأهيل
:: عدسة الكاميرا
:: السياحة في الصين
:: الدليل التجاري
:: خدمات الجالية
:: احصائيات الموقع
:: الاتصال بنا

 
 

تدريب وتأهيل
 

تدريب وتأهيل
 
 

البحث
 

 
 

الأعضاء
 

اسم المستخدم :
كلمة المرور :

مستخدم جديد ؟
نسيت كلمة المرور ؟
 
 

المتواجدون الأن
 

يتصفح الموقع حاليا 1 زائر

أكبر تواجد كان 139 في :
04-Oct-2016 الساعة : 23:24

 
 

إتحاد طلاب اليمن في الصين
 

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ : الجالية اليمنية - إيوو © 2018
برمجة اللوماني للخدمات البرمجية © 2008