الرئيسية | المنتديات | تواصل معنا

الجالية اليمنية - مدينة إيوو " جمهورية الصين الشعبية "  
 

الرئيسية / السياحة في الصين / سور الصين العظيم

سور الصين العظيم
 


بقلم : أ.د. حاتم الربيعي

 

    عندما  تطأ أقدام أي زائر الصين يفكر بزيارة أهم معلم حضاري تأريخي فيها ، لأنه متيقن بأنه حين يلتقي بأصدقائه بعد عودته الى بلده يسألونه عنه ، لذلك بعد وصولنا إلى الصين بدأنا البحث عن أية  فرصة لزيارة سور الصين بالوقوف عليه  أسوة بحلم معظم الناس الذين تعني زيارة الصين الصعود على سوره،  ولتبعد  نفسك من سهام مقولة الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ " من لم يصعد (أو لم يزر) سور الصين فإنه ليس رجلا حقيقيا !!!!. "

     وهذا مافعلناه , ففي صباح يوم 20/5/2007 خرجنا مبكرين قاصدين زيارته حيث سنقف كما فعلت الملايين من البشر على ذلك السور ، وصعدنا مشيا إلى واحدة من أعلى القمم حيث يستغرق الوصول اليها أكثر من ساعة، وبعد الأجهاد البدني الذي عانيناه لصعوبة الصعود، وعندها وجدنا شدة ازدحام من الزائرين فأتضح الينا انهم مجتمعين حول باعة المداليات التي يخط عليها اسم الزائر لتؤرخ! بأنك وصلت إلى تلك القمة وقمت بزيارة السور العظيم. وبعد حصولنا على تلك المداليات التأريخية أو شهادة زيارة السور، أطلعنا على المناظر الطبيعية الرائعة التي تبدو واضحة من خلال قمم السور، وعندها أصبحنا مذهولين ونفكر،  كيف بني هذا السور ؟ ولماذا ؟.

    سور الصين واحد من عجائب الدنيا السبع قديما وحديثا، هو سور يمتد على الحدود الشمالية والشمالية الغربية للصين (جمهورية الصين الشعبية)، من تشنهوانغتاو على خليج بحر بوهاي (البحر الأصفر) في الشرق إلى منطقة غاوتاي في مقاطعة غانسو في الغرب. تم بناء سور آخر إلى الجنوب، وامتد من منطقة بكين إلى هاندان. وهو أطول بناء في التأريخ على الأطلاق ويبلغ الطول الأجمالي للأسوار االتي بنتها كل أسر الأمبراطوريات الصينية 50000 كيلومتر، أما الطول المتبقي منه فهو نحو 8852 كيلو متر وشيد كله يدويا. وهو مشروع دفاعي عسكري استغرق أطول زمنا في البناء  حيث استغرق العمل فيه بفترة حوالي 1900 عام وبدأ منذ القرن الخامس قبل الميلاد، واستمر حتى بداية القرن السابع عشر الميلادي ويعد أكبر حجما في الهندسة المعمارية، يمر بتضاريس جغرافية مختلفة ومعقدة، حيث يعبر الجبال والأجرف ويخترق الصحراء ويجتاز المروج ويقطع الأنهار.

    قام ببناء وترميم السور أكثر من عشرين مملكة وأسرة ، إذ بدأت مملكة تشو في عصر الممالك المتحاربة (475 - 221 ق. م.) بجنوب الصين تبني سورا دفاعيا لها بغرض التصدي لهجمات القبائل البدوية الشمالية والأعداء من خارج الحدود ، بعد ذلك بنيت مملكة تشي ومملكة يان ومملكة وي ومملكة تشاو ومملكة تشين أسوارا لنفس الغرض حتى وحد الإمبراطور  تشين شي هوانغ  الصين ووصل الأسوار التي بنيتها كل مملكة سابقة ، فتشكل سور الصين العظيم الذي يبدأ من شاطئ نهر يالو بمقاطعة ( لياونينغ) في الشرق، إلى جيايويقوان بمقاطعة ( قانسو ) غربا واستمر العمل في السور العظيم خلال حقبة هان (202ق.م. -220  م.) وحقبة سوي (589- 618 م.). وقد دمرت أجزاء كبيرة من السور عبر القرون، ولكن بناؤه أعيد خلال حقبة مينج (1368 - 1644م.) وترجع غالبية البناء الحالي للسور العظيم إلى هذه الفترة.

    ومن المهم أن نتعرف عن الأحداث التأريخية التي ساهمت في تطوير بناء ذلك السور وكما ذكرها الكاتب عدنان جبار الربيعي في كتابه "رحلة الشتات والصين" الصادر عن مؤسسة الدوسري/ المنامة عام 2011، حيث ذكر"في القرن الثالث قبل الميلاد كانت الأراضي التي تعرف بـ( كل ما تحت السماء ) منطقة حروب دائمة فقد كانت الممالك السبعة تخوض حربا طاحنة فيما بينها بلا كلل على السلطة. أنتشرت جيوش النهب والسلب الدمار في جميع الأرياف ، وكانت حاصلات الفلاحين المكافحين في سبيل البقاء على قيد الحياة تصادر بكاملها و كثيرًا ما كان يحدث ما هو أسوأ، إذ كانت زوجاتهم وبناتهم  تسلب ويجبر أبنائهم على الخدمة في الجيوش الغازية في  ذلك الحين. لجأ بعضهم إلى كهوف الجبال ولكن لا مفر، فقد كان قدرهم الموت كمشاة في ساحات المعارك , دامت حرب الممالك المتحاربة أكثر من 250 عاما حتى برز إسم الإمبراطور تشين شي هوانغ (259-210) ق.م. الذي إستطاع، عبر مزيج من القسوة والدبلوماسية ، وقبل أن يبلغ الخامسة والعشرين من عمره أن يهزم الملوك الستة الآخرين ويضع الدولة الصينية جميعا تحت إمرته جاعلا من هذه الممالك المتحاربة مملكة متحدة متعددة القوميات تحمل إسمه، وهكذا ولدت ( الصينChina) نسبة إلى إسمه الأول (تشين )، ثم قرر أن يحمي إمبراطوريته الجديدة بتشييد أضخم بناء صنعه الإنسان في العالم ( سور الصين العظيم )"
 

 بدء بناء سور الصين

    ظهر أقدم قطاعات مايعرف الآن بسور الصين  في حوالي فترة القرن الخامس قبل الميلاد بعد  أن بنتها ممالك صينية سابقة. وفي العام 214 قبل الميلاد وجه الأمبراطور تشين  أمرًا للجنرال مين تين أكثر جنرالاته ثقة وصرامة بأن يوسع ويوحد الأسوار الموجودة حول الحدود الشمالية لإمبراطوريته فيحولها إلى خطوط دفاعية، الذي قام بأجبار مئات الآلاف من الأيدي العاملة بين فلاحين ومفكرين وحكماء وجنود فارين وأسرى حرب على العمل المتواصل في بناء السور العظيم الذي إمتد عبر الجبال والتلال والصحارى. مات الآلاف منهم بسبب شدة البرد والجوع والتعب والأمراض، فدفنت جثثهم داخل الأسوار،حتى أصبح من الأسماء التي تطلق عليه (المقبرة الأطول في العالم) إذ ربما يوجد تحت كل متر منه جثة، ويعتقد الصينيون أن أرواحهم ستعمل حراسًا ضد أعداء الشمال ، فعرف السور العظيم بعدها بجدار الدموع.

    تم أولاً بناء إثني عشر برجًا كدست فيها المؤن لتقاوم حصارًا يدوم أربعة أشهر، وقد تم ربطها باستحكامات يبلغ إرتفاعها ستة أمتار. أصبح بالإمكان إرسال الأوامر والرسائل عبر مئات الأميال لأن الأبراج كانت مترابطة ببعضها بحيث يمكن أن تغطيها أسهم الرماة ، وقد ثبت البناءون منارات فوق أبراج إرشاد عبر مسافات تقارب الأحد عشر ميلاً تشتعل على مدار أربع وعشرين ساعة.  

    شكل السور العظيم نظام إتصالات ممتاز بحيث كانت الوحدات العسكرية تتحرك بسهولة بين جهة من الإمبراطورية وأخرى، وتمكن الإمبراطور  تشين  ببراعة تامة من وضع أول جيش له لحماية السور ليؤكد بقاءها بعيدًا جدًا عن عاصمة الإمبراطورية وهي قادرة على سحق أي تمرد شعبي. كان بناء السور ضربة عبقرية تمكنت على الأقل من إحكام سيطرة  تشين  على إمبراطوريته وقد أثبتت أنها حدود نفسية ومادية حاسمة.

 

وظائف السور المتعددة  

    لم تقتصر وظيفة السور على الدفاع فقط بل قدم على مر العصور وظيفة حماية المواصلات والإتصالات التجارية والإنفتاح على الخارج. ففي فترة إمبراطور أسرة تشين ( تشين شي هوانغ ) ، كان يوجد طريق واسع يربط اثنتي عشرة ولاية واقعة بمحاذاة السور لنقل الوثائق الرسمية، وسيل لا ينقطع من التجار.

كما إنه يفصل بشكل طبيعي بين المناخ شبه الرطب والمناخ الجاف في الصين. وقد صار على هذا الأساس فاصلا طبيعيا بين المناطق الزراعية والمناطق البدوية.

    توجد منصات السور على مسافات تتراوح بين 300 إلى 500 على السور، وتتكون من طابقين، في الطابق العلوي توجد فتحات للمراقبة وفتحات لإطلاق النار، ويسكن جنود الدفاع عن المدينة في الطابق السفلي وتخزن الحبوب والأجهزة العسكرية فيه أيضا.  في القمة توجد حصون وأبراج الإنذار و المراقبة، على مسافات تتراوح بين 90 و180م في الأماكن الإستراتيجية الواقعة على طول السور، لنقل المعلومات والأخبار وإصدار الأوامر والتوجيهات عن طريق رفع الدخان من إشعال روث الذئاب، الذي يتميز بكثافته ولونه الأسود الداكن، نهارا وإشعال النار ليلا، وتميز هذا الأسلوب بسرعة نقل المعلومات كما يُمَكن من معرفة جهة الأعداء من عدد المواقع التي انطلق منها الدخان أو أشعلت فيها النار. وقد كسرت هذه المضائق وأبراج الإنذار رتابة أسوار المدينة ، وزادتها سحرا فنيا.

 

حشود الزوار

    يعد قطاع بادالينغ  شمال بكين الذي يقع بمحافظة يانتشيغ التابعة لبكين، أفضل قطعة محفوظة من سور الصين ، كما هو أحد أفضل المواقع لتسلق السور للسياح الصينيين والأجانب الذين شاركناهم بزيارته، ويبلغ الطول الأجمالي للأجزاء الممكن زيارتها من هذا القسم من السور هو 19000 متر وأرتفاعه 8-15 مترا  وكان هذا الجزء من سور الصين من بين اول الأجزاء التي أفتتحت رسميا للزيارة.

    إن عدد الزوار الذين يأتون الى بكين لزيارة ذلك القطاع من السور يتراوح بين  خمسة ملايين إلى ستة ملايين نسمة سنويا، وفي إحصائية رسمية يبلغ دخل التذاكر لقطاع بادالينغ أكثر من مائة مليون يوان سنويا (حوالي 15 مليون دولار )، ولكن ذلك يساهم في زيادة تخريبه ولذا وضعت الحكومة الصينية (قانون إدارة وحماية سور الصين العظيم ببكين) عام 2003 الذي يضع قيودا صارمة على تصوير الأفلام والبرامج التلفزيونية وإقامة النشاطات الكبيرة في موقع السور كما ينص على حظر البناء في المنطقة القريبة من السور بمسافة 500 متر، وفي العام 2004 بدأت مدينة بكين مشروع ترميم سور الصين العظيم التي إلتزمت بالحفاظ على الشكل الأصلي بمعالجة الحالات الطارئة والتقوية والتمتين ، وإعطاء أولوية لاستخدام الطوب القديم في أعمال الترميم.

    وتشير الإحصائيات لعام 2008 إلى أكثر من 130 مليون زائر منهم 14 مليون أجنبي زاروا هذا القطاع منذ افتتاحه رسميا عام 1954، ومن بينهم رؤساء دول وحكومات ومفكرون وشخصيات عامة مشهورة. وقد أضيف هذا الموقع لقائمة التراث العالمي التي حددتها منظمة اليونسكو عام 1987 وهو أول موقع تراثي تسجله الصين إذ أن الصين انضمت إلى إتفاقية حماية التراث الطبيعي الثقافي العالمي عام 1985 مبتدئة بإدخال سور الصين كأحد المواقع الأثرية المسجلة عالميا ليصل بالوقت الحاضر إلى 35 موقعا أثريا لتحتل المركز الثالث في العالم. 

 

غرائب السور العظيم

    ومن الغرائب المذكورة عن ذلك السور أنه إذا استخدم الطابوق والحجر المبني به في تشييد سور ، سمكه متر وارتفاعه خمسة أمتار ، يمكن أن يطوق الكرة الأرضية مرة واحدة أو أكثر،  وقد بلغ عدد الجنود المرابطين على خط السور في عهد أسرة  مينغ  مثلا حوالي مليون جندي، وهناك مثل صيني قديم يقول ( لو كان هناك جندي واحد يدافع عند الممر الإستراتيجي في السور العظيم فلا يمكن أن يخترقه عشرة آلاف من الجنود ) ! وأن سور الصين العظيم الحالي هو ثلث الأصلي القديم، أما الثلث الثاني فقد أصبح أطلالا، والثلث الأخير اختفى تماما  !!

    بنى الصينيون السُّور لحماية حدودهم الشمالية من الغزاة لكن الغريب أن السور حمى الصين من الهجمات الصغيرة، لكنه لم يقم بسوى دفاع بسيط ضد الغزو الأكبر، فعلى سبيل المثال، اجتاحت قوات القائد المغولي جنكيز خان السور في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي ، وغزت الكثير من أراضي الصين !

 

وداع السور

    وقبل غروب الشمس قررنا العودة إلى السكن في  الحي الدبلوماسي في وسط بكين  الذي يبعد عن السور 60 كيلو متر، رغم وجود الرغبة للبقاء لفترة أطول بعد أن امضينا يوما ممتعا ولكنه كان متعبا بسبب التجول على سور الصين الطويل والتسلق إلى قممه العالية التي تتطلب جهد ووجود لياقة بدنية، حاملين ماسجلته كامرتنا وذاكرتنا من لقطات ممتعة، بحيث يجد الزائر مشاهد لم يتوقع بالأطلاع عليها مهما وصفت له من قبل الآخرين، لما تحمله من إنسجام بين التأريخ وعمق الحضارة وروعة البناء والتنظيم والعيش تحت أجواء المناطق الجبلية والتمتع بالسهول الخضراء، فسور الصين العظيم بالحقيقة عبارة عن سمفونية معمارية جميلة عمرها أكثر من 2500 عام تضم ذكريات الماضي وتنسجم مع روعة الطبيعة  والواقع الحاضر المبدع الذي تعيشه الصين .

 

أ د حاتم الربيعي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 

 

تقييم

ارسال لصديق
 
 

 
 
 

ارسال تعليق
 
للتعليق على الموضوع، يرجى تسجيل الدخول أولاً
 
 

للإعلان لدينا في موقع الجالية اليمنية

القائمة الرئيسية
 

 
:: الصفحة الرئيسية
:: منتديات الجالية
:: أقسام الموقع
:: ارشيف الاخبار
:: الجالية في سطور
:: مبدعون في الصين
:: كتابات
:: من وحي الغربة
:: أنشطة الجالية
:: تدريب وتأهيل
:: عدسة الكاميرا
:: السياحة في الصين
:: الدليل التجاري
:: خدمات الجالية
:: احصائيات الموقع
:: الاتصال بنا

 
 

تدريب وتأهيل
 

تدريب وتأهيل
 
 

البحث
 

 
 

الأعضاء
 

اسم المستخدم :
كلمة المرور :

مستخدم جديد ؟
نسيت كلمة المرور ؟
 
 

المتواجدون الأن
 

يتصفح الموقع حاليا 5 زائر

أكبر تواجد كان 139 في :
04-Oct-2016 الساعة : 23:24

 
 

إتحاد طلاب اليمن في الصين
 

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ : الجالية اليمنية - إيوو © 2018
برمجة اللوماني للخدمات البرمجية © 2008